
الكاميرا الخفية يا جماعة برنامج في الأصل ذكي و هام. و كان في ظهوره أهمية كبيرة في التاريخ السمعي البصري. حيث أن قبل ابتكار هذا النوع من البرامج كانت كل البرامج الفكاهية تعتمد على مقالب جاهزة ممثلة. فجاءت الكاميرا الخفية كمساحة فكاهية لا تعتمد فقط عل المقلب** بل و تعتمد على الجانب التلقائي و المرتجل إلي يضفيه ضيف الحلقة. حيث أنه من جهة عدم علمه بوجود آليات التصوير التلفزي يجعله يبتعد عل الكليشيات و التصرفات الجاهزة إزاء الكاميرا فيكون جد تلقائي, و من جهة أخرى مشاركة مواطن عادي في احد المقالب التلفزية يقوي اهتمام المتفرج بما أنه يرى نفسه في صورة ذلك المواطن (تصير عملية تشخيص*) فيتحول المتفرج من عملية الفرجة السلبية إلى فرجة ايجابية فعّالة بما انه من الممكن أن يكون في المستقبل الشخص العادي الذي سيشارك فعليا في المقالب المضحكة.
و قد ظهر هذا البرنامج في العالم الفرنكوفوني عن طريق الكندي مارسال بليفو ببرنامجه سوربريز سوربريز فكانت الضحكة عفوية من خلال مقالب تفوق خيال المتفرج و من خلال تلقائية المشاركين. و تعتبر مشاركة نجوم كبار في البرنامج من العوامل المنجحة له فمكّنت المعجبيين القرب من نجومهم المحبوبين و من التعرف عل جانبهم البسيط التلقائي ثم مكّنت هؤلاء النجوم من شعبية أكبر.
في تونس, بدأت الكاميرا الخفية عل يد هشام الجربي, وهو مخرج و باحث في تاريخ و تقنيات السينما, مولع بفن المقلب و تاريخه المجيد. فكانت أول حلقات الكاميرا الخفية التونسية ذات صيت كبير و شعبية مذهلة. فقد كان- ولازال- المتفرج التونسي يفتقد التلقائية في برامج قناته الوطنية فأخرج الجربي التلفزة التونسية من علبها السردينية ذات اللغة الخشبية. و بما أن هذا المخرج العظيم كان ملما بتقنيات و بتاريخ و علم المقلب كانت الضحكة مضمونة الوصول و المقالب ذكية, سهلة و سلسة. فكان المخرج يعتمد على سيناريو المقلب المحضّر, وكان المخرج يضبط مسبقا الأدوار و نصوص الممثلين مانح إياهم مسحة من الارتجال فكان انذااك المواطن شريكا في الضحكة و الفذلكة.
أخذ برنامج الكاميرا الخفية آنذاك صيت و شعبية لا مثيل لهما وكان رؤوف كوكة مذيع البرنامج الذي يقدم المقالب للناس و يضعها في إطارها.
وبما أن الإذاعة و التلفزة التونسية مبنية عل راس كلب, وجد المخرج نفسه خارج اللعبة و أصبح مذيع البرنامج هو المخرج رغم أن خبرته تقتصر على تقديم البرامج ومن ذلك اليوم و هذا البرنامج يعاني فراغا رهيبا.
فمن المقالب المعدة جيدا انتقلت المقالب الى مواقف ينقصها الكثير من الخيال فاقتصرت إما على مواقف هزيلة أو على مواقف أخذت من تلفزات عالمية و لم يقع ادراجها كما يجب في الواقع التونسي. من ناحية ثانية, كانت المقالب- في عهد الجربي- تعتمد عل سيناريوات متقنة يشارك في تمثيلها ثلة من الممثلين البارعيين في الارتجال لكن في حدود دورهم أما كاميرا كىكة فأصبحت تعتمد عل الارتجال الفردي لممثل واحد ( حتى لو كانوا مجموعة فانهم يتداولون على "الضحية" الواحد تلو الأخر) . وهو ارتجال غير مدروس بالمرة و غير محضّر قبل بدأ التصوير.
ثم أنه من النقاط المهمة للغاية أن المشارك في البرنامج انتقل من دور الشريك في الفذلكة و الضحكة الى ضحية هؤولاء الممثلين الذين يجعلونه يعاني الأمرين فتنتقل الضحكة الى تضحيك و ينتقل المقلب الى استهزاء و سخرية.
وقد كنّا نعتقد أن نهاية الكاميرا الخفية بإمضاء رؤوف كوكة ستنهي معها و سمة العار التي تابعتنا بهذا البرنامج المبتذل عل امتداد سنين. لكن الأسوأ كان قادما. فكما انقلب كوكة على الجربي, انقلب العوني على كوكة فكانت فذلكة رخيصة و مبتذلة تعتمد عل "تشليك" الضحية ربي يصبروا و يصبرنا. ثم تمرّد حمادي غوار و رسم اتفه حلقات البرنامج في تاريخه العالمي.
شاهدت البارحة حلقة من حلقاته فغص حلقي. شابان ضخمان الجثة يقتحمان نصبة لاقمي في قابس لعجوز زوالي. يتهمانه بوقاحة و الفاض فضة لا تليق برجل في عمره بالغش و التلاعب و السرقة ثم يحيطان به و يشلان حركته و يسكبان سلعه. اهذه هي الكاميرا الخفية ؟ أهذا هو فن المقلب ؟
* تشخيص
Idetification
**مقلب
Gag
